20 - 10 - 2024

هل وزارة الصحة فرع من فروع الأزهر؟

هل وزارة الصحة فرع من فروع الأزهر؟

مع ظاهرة (طغيان اللغة الدينية) على مُـجمل واقعنا التعليمى والإعلامى والثقافى، فإنّ أغلبية المُـتعلمين المصريين تأثروا بهذا الطغيان.. كما لو كانوا قد أصيبوا بـ (فيروس) فتاك.. ولاسبيل للشفاء منه.. وحتى كتـــُـتاب سيناريوهات المسلسلات والأفلام السينمائية.. وقعوا هـُـم أيضـًـا تحت (سنابك) هذا الطغيان، والأمثلة على ذلك كثيرة..ومن بينها (على سبيل المثال) الثنائية المتبادلة بين زوج وزوجته عند السفر ولغة الوداع (لا إله إلاّ الله) فيرد الطرف الثانى (محمد رسول الله) ولم يسأل كاتب السيناريو نفسه: هل يجوز أنْ تكون لغة الوداع (لا إله إلاّ الله، عيسى رسول الله)؟ أم أنه نسى أنّ مصر مُـتعددة الأديان؟ ومن الأمثلة- أيضـًـا- أنّ المشاكل لايحلها إلاّ شيخ الجامع..ومن الأمثلة ظهور الممثلات بالحجاب، بدون أى مبرر مُـتسق مع مُـجمل الأحداث..إلخ. 

طغيان اللغة الدينية ظلّ يزحف ويتغلغل بالتدريج حتى غزا عقول غالبية الوزراء، الذين (سواء بحـُـسن نية واجتهاد شخصى، أو لمغازلة الحكومة فى تقديم تبريرات العجز عن تلبية المطالب الأساسية للجماهير الشعبية) ولذلك كان هؤلاء الوزراء يلجأون للميتافيزيا.. كمسكنات تخديرية، فى تصوّر ساذج أنّ التخدير الميتافيزيقى سيبتلعه البسطاء الفقراء من شعبنا.. وكأنهم أطفال (بـُـلهاء) 

من بين نماذج الوزراء الذين استخدموا اللغة الدينية، د.هالة زايد (وزيرة الصحة) التى خاطبتْ أهالى المرضى من شعبنا قائلة (داووا مرضاكم بالصدقة) (اليوم السابع-12نوفمبر2018- وصحف ومواقع أخرى) وهذا الحديث يستوجب التوقف أمامه وتأمله وإبداء الملاحظات التالية: 

أولا: العلاج فى كل الدول (فقيرة وغنية، متقـدّمة ومتخلفة) يكون بوسائط الطب (عمليات جراحية أو دواء إلخ) وليس بأداء الصدقة. 

ثانيـًـا: العلاج بالصدقة، لوكان ضمن خطبة يوم الجمعة الأسبوعية، أو ضمن حديث لشيخ تليفزيونى..إلخ (قد) يتلقاه المواطن، بالقبول أو بالرفض، بالابتسام أو بمصممة الشفاه وهز الكتف أو بالسخرية.. ولكن أنْ يكون على لسان وزيرة (الصحة) يكون الحاصل أنّ مصر تشهد مرحلة لم تخطر على ذهن المبدع الكبير(فرانزكافكا) وهو يكتب رواياته البديعة التى صوّر فيها المجتمع العبثى/ الكابوسى/ السوداوى فى مجتمعه التشيكى فى نهاية القرن التاسع عشر. آ 

ثالثــًـا: بالفرض أنّ (الصدقة) التى سيـُـخرجها المريض، سيترتب عليها علاجه وتخلصه من المرض.. وبالتالى لن (يحتاج إلى أدوية ولا عمليات جراحية) فكيف غاب عن ذهن السيدة الفاضلة الوزيرة، أنّ هؤلاء المرضى وأهاليهم لايملكون (ترف) أداء (الصدقة) بل إنّ أغلبهم لايملكون المال الذى يـُـوفر لهم تلبية احتياجاتهم من طعام ومصاريف المدارس وملابس الأولاد..إلخ.. وأنّ دخلهم الشهرى بالكاد يـُـعطى الحد الأدنى من هذه الاحتياجات الضرورية. 

رابعـًـا: يبدو أنّ السيدة الفاضلة الوزيرة تأثــّـرتْ بما حدث منذ سنوات، بفضل تغلغل تيار الأصوليين الإسلاميين على عقول شعبنا.. وكانت النتيجة انتشار ظاهرة اليـُـفط الموضوعة على مداخل معظم المستشفيات (الحكومية والاستثمارية) وعلى معظم عيادات الأطباء الخاصة.. ومكتوب عليها نص الآية القرآنية ((وإذا مرضتُ فهو يشفين)) (سورة الشعراء/80) أى أنّ الوزيرة تــُـكمل وتــُـساند التيار الأصولى الإسلامى فى الترويج للميتافيزيقا كبديل عن العلاج بوسائل الطب.آ  

خامسًـا: كلام السيدة الفاضلة الوزيرة عن العلاج بالصدقة، كفرع من فروع الميتافيزيقا، ذكــّـرنى بالرباعية التى كتبها فيلسوف الشعرالمصرى (صلاح جاهين) وقال فيها (منين أجيبها كلمة متألمه/ لعبيه، فايره، حايره ومصممه/ منين أجيب كلمه تكون بنت أرض/ تشفى اللى ما شفاهوش كلام السما) فلأنّ جاهين كان على وعى بخطورة خلط ما هو دينى، بالواقع المادى على الأرض..وأنّ تجارب الشعوب، منذ عصور الحضارات القديمة، حتى العصر الحديث، أثبتتْ أنّ علاج الأمراض كان بوسائل طبية، من ابتكار البشر.. وليس باللجوء إلى الميتافيزيقا التى كانت سائدة فى عصورهم. 

سادسـًـا: فات السيدة الفاضلة الوزيرة أنّ الأثرياء ورؤساء الدول لايلجأون لعلاج أنفسهم (بالصدقة) بالرغم من أنهم يستطيعون أداء أية مبالغ للفقراء والمساكين (كصدقة) أضعاف أضعاف ما (قد) يدفعه المرضى من ذوى الدخول المحدودة (ناهيك عن المرضى من ذوى الدخول المعدومة) بل إنّ كبار الشيوخ وعتاة الأصوليين الإسلاميين عندما يمرضون لا يلجأون للميتافيزيقا..وإنما يـُـسارعون بعرض أنفسهم على كبار الأطباء، ليس فى مصر(فقط) بل فى مستشفيات أوروبا، كما فعل النجم التليفزيونى الشيخ متولى الشعراوى، الذى أفتى بأنّ عملية (غسل الكلية) يعنى إطالة عمر المريض.. وهذا معناه تأخير لقاء ربه..ولكنه عندما أصيب بمرض خطير قد يعجل بوفاته، ذهب إلى لندن.. وأجريتْ له عملية نقل دم كاملة، فهو- إذن- كما كتب د.خالد منتصر (عطل لقاء ربه) وذهب الشعراوى للمرة الثانية إلى لندن لإجراء عملية (نقل قرنية) بالرغم من أنه سبق وأفتى بأنّ نقل الأعضاء من إنسان إلى إنسان (حرام وفقــًـا للشريعة الإسلامية والفقه الإسلامى) وكان ذلك بمناسبة مطالبة بعض الأطباء والمثقفين المصريين باستصدارقانون يسمح ويـُـنظم عملية التبرع بالأعضاء.. وبالرغم ذلك وافق على إجراء العملية التى أنقذته من (حالة العتامة الكاملة وفقدان البصر) والأكثر أهمية أنّ فريق الأطباء الذين أجروا له عملية (نقل القرنية) د.روزين (يهودى الديانة) ود.فايز بطرس (مصرى مسيحى) ود.سويدان (مسلم) وعندما سأله أحد الصحفيين عن الأطباء المُـنتمين للأديان الثلاثة قال: إنهم أقرب إلى الله من كثيرين غيرهم.. وكان تعقيب د. محمد غنيم على تناقض الشعراوى، بين فتاواه بتحريم نقل الأعضاء أو(غسل الكلية): كيف أحلّ الشيخ لنفسه ما حرّمه على الآخرين؟ 

سابعـًـا: هل السيدة الفاضلة وزيرة الصحة، خريجة كلية الطب؟ أم خريجة هيئة من الهيئات التابعة للأزهر؟ مثل مجلس الشئون الإسلامية؟ أومجمع البحوث الإسلامية إلخ؟ وإذا كان هذا هو توجهها، فكيف تـمّ اختيارها لمنصب وزيرة (للصحة)؟ ومن الذى رشـّـحها؟ ولماذا لم يكن ترشيحها لرئاسة مشيخة الأزهر؟ أو- على الأقل- لرئاسة هيئة من الهيئات التابعة للأزهر؟آ  آ 

ثامنــًـا: الوزيرة كى تستمر فى منصبها، دافعتْ عن الحكومة مع العجز عن توفير الدواء فى الصيدليات..كما ذكر عضو نقابة الصيادلة د.محمد العبد بأنّ النقص بلغ 800 صنف.. وقابل للزيادة.. وفق إحصاء أجرته النقابة فى شهر سبتمبر 2018.. وصدق البعض عندما نحت تعبير(مشيخة وزارة الصحة) 

-------------------
بقلم: طلعت رضوان

مقالات اخرى للكاتب

أين الدول العربية من التنافس الأمريكى الروسى؟